الآلوسي
35
تفسير الآلوسي
* ( وَأَنْعَامٌ ) * أي وهذه أنعام على ما مر . وقوله سبحانه : * ( لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّه عَلَيْهَا ) * صفة لأنعام مسوق من قبله تعالى تعييناً للموصوف وتمييزاً له عن غيره كما في قوله تعالى : * ( وقولِهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسولَ الله ) * ( النساء : 157 ) في رأي لا أنه واقع في كلامهم المحكي كنظائره كأنه قيل : وأنعام ذبحت على الأصنام فإنها التي لا يذكر اسم الله تعالى عليها وإنما يذكر عليها اسم الأصنام . وأخرج ابن المنذر وغيره عن أبي وائل أن المعنى لا يحجون عليها ولا يلبون . وعن مجاهد كانت لهم طائفة من أنعامهم لا يذكرون اسم الله تعالى عليها ولا في شيء من شأنها لا إن ركبوا ولا أن حلبوا ولاولا . * ( افْترَاءً عَلَيْه ) * أي على الله سبحانه وتعالى ، ونصب * ( افتراء ) * على المصدر إما على أن قولهم المحكي بمعنى الافتراء ، وإما على تقدير عامل من لفظه أي افتروا افتراء أو على الحال من فاعل * ( قالوا ) * أي مفترين أو على العلة أي للافتراء وهو بعيد معنى ، و * ( عليه ) * قيل : متعلق بقالوا أو بافتروا المقدر على الاحتمالين الأولين وبافتراء على الاحتمالين الأخيرين . ولا يخفى بعد تعلقه بقالوا ، والذي دعاهم إليه ومنعهم من تعلقه بالمصدر - على ما قيل - أن المصدر إذا وقع مفعولاً مطلقاً لا يعمل لعدم تقديره بأن والفعل ، وفيه نظر لأن تأويله بذلك ليس بلازم لتعلق الجار به فإنه مما يكفيه رائحة الفعل . وجوز أبو البقاء أن يكون الجار متعلقاً بمحذوف وقع صفة لافتراء أي افتراء كائناً عليه * ( سَيَجْزيهمْ ) * ولا بد * ( بمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ) * أي بسببه أو بدله ، وأبهم الجزاء للتهويل . * ( وَقَالُواْ مَا فِى بُطُونِ هَاذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ) * . * ( وَقَالُوا ) * حكاية لفن آخر من فنون كفرهم . * ( مَا في بُطُون هَاذه الأَنْعَام ) * يعنون به أجنة البحائر والسوائب كما روي عن مجاهد والسدي وروى ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم يعنون به الألبان ، و " ما " مبتدأ خبره قوله سبحانه : * ( خَالصَةٌ لِّذُكُورنَا ) * أي حلال لهم خاصة لا يشركهم فيه أحد من الإناث ، والتاء للنقل إلى الإسمية أو للمبالغة كراوية الشعر أي كثير الرواية له أو لأن الخالصة مصدر - كما قال الفراء - كالعافية وقع موقع الخالص مبالغة أو بتقدير ذو وهذا مستفيض في كلام العرب تقول : فلان خالصتي أي ذو خلوصي ، قال الشاعر : كنت أميني وكنت خالصتي * وليس كل امرئ بمؤتمن نعم قيل : مجيء المصدر بوزن فاعل وفاعلة قليل ، وقيل : إن التاء للتأنيث بناء على أن " ما " عبارة عن الأجنة . والتذكير في قوله تعالى : * ( وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجنَا ) * أي على جنس أزواجنا وهن الإناث باعتبار اللفظ ، واستبعد ذلك بأن فيه رعاية المعنى أولاً واللفظ ثانياً وهو خلاف المعهود في الكتاب الكريم من العكس ، وادعى بعض أن له نظائر فيه ، منها قوله تعالى : * ( كل ذلك كان شيئهُ عند ربك مكروها ) * ( الإسراء : 38 ) إذ أنث فيه ضمير " كل " أولاً مراعاة للمعنى ثم ذكر حملاً على اللفظ ، وقيل : إن ما هنا جار على المعهود من رعاية اللفظ أولاً لأن صلة " ما " جار ومجرور تقدير متعلقه استقر لا استقرت ولا وجه لذلك لأن المتعلق والضمير المستتر فيه لا يعلم تذكيره وتأنيه حتى يكون مراعاة لأحد الجانبين ، والذي يقتضيه الإنصاف أن الحمل على اللفظ بعد المعنى قليل وغيره أولى ما وجد إليه سبيل ، وذكر بعضهم أن ارتكاب خلاف المعهود ههنا لا يخلو عن لطف معنوي ولفظي ، أما الأول فموافقة